
في عمق صحراء غوبي، وعلى امتداد ممر هشي التاريخي بمقاطعة قانسو الصينية، يقف موقع «شيانشيوانزهي» الأثري شاهداً على جانب مهم من تاريخ الحضارة الصينية، باعتباره أكبر وأكمل مؤسسة بريدية رسمية مكتشفة من عهد أسرة هان، وواحداً من أبرز المعالم التي تكشف طبيعة التنظيم الإداري والتجاري للإمبراطورية الصينية قبل أكثر من ألفي عام.
ويستمد الموقع اسمه من نبع «شيانشيوان» القريب منه، وقد شكل على مدى قرون محطة استراتيجية لخدمة حركة القوافل والمسافرين والمبعوثين، فضلاً عن دوره في نقل المراسلات الإمبراطورية وتأمين التواصل بين المناطق الداخلية للصين والممالك الواقعة غربها، على امتداد طريق الحرير التاريخي.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية للموقع في موقعه الجغرافي عند السفح الشمالي لجبل اللهيب، ضمن سلسلة جبال سانوي، بين مدينتي دونهوانغ وقواتشو، وعلى ارتفاع يصل إلى نحو 1700 متر، حيث تحيط به الجبال من الجنوب والكثبان الرملية من الشمال، ما جعله نقطة محورية في ممر هشي الذي كان يمثل ممراً حيوياً للتجارة والتواصل الحضاري والدبلوماسي.
وتعود نشأة هذه المؤسسة البريدية إلى القرن الثاني قبل الميلاد، عندما أصدر الإمبراطور وو، من أسرة هان الغربية، أوامره بإنشائها تحت مسمى «شيانشيوانزهي التابع لمقاطعة دونهوانغ». وظلت تؤدي وظائفها لنحو أربعة قرون، خلال عهدي أسرتي هان الغربية والشرقية، وصولاً إلى فترة وي وجين.
وكانت المؤسسة تضطلع بمهام متعددة، من بينها نقل الرسائل والأوامر الإمبراطورية بواسطة الخيول، واستقبال المبعوثين والوفود القادمة من الممالك الغربية، وتوفير المأوى والتموين للمسافرين، في تجسيد مبكر لنظام إداري ولوجستي متطور أسهم في حماية الطرق التجارية وضمان استمرار التواصل بين مختلف مناطق الإمبراطورية.
وخلال زيارة إعلاميين عرب للموقع، أكد عضو اللجنة الدائمة للحزب الشيوعي الصيني، وينك دون، أن حماية التراث التاريخي والحضاري مسؤولية جماعية تقع على عاتق الجميع، ولا تقتصر على المؤسسات الإعلامية وحدها، مشدداً على أهمية صون المعالم التاريخية والتعريف بقيمتها للأجيال القادمة.
وتأتي هذه الزيارة في سياق إحياء الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية الصينية العربية، بمدينة دونهوانغ، التي تزخر بالعديد من المواقع والمعالم الأثرية المرتبطة بتاريخ طريق الحرير، وتحتضن شواهد بارزة على التفاعل الحضاري والتجاري الذي ربط الصين بالعالم العربي ومختلف مناطق العالم.
ويتيح الوقوف على هذه المعالم التاريخية فرصة للتعرف عن قرب على عمق الحضارة الصينية، وعلى الدور الذي لعبته المؤسسات القديمة في تنظيم حركة التجارة والتواصل بين الشعوب، كما يبرز أهمية التراث المشترك بوصفه جسراً للتقارب والتفاهم بين الحضارات.








.jpg)

.gif)



.jpg)
